محمد كرد علي

297

خطط الشام

وهكذا يقال في الرقص والألعاب كلها فإنها أصبحت بين طبقات المتعلمين إفرنجية محضة في بيروت وفنادق لبنان الكبرى . وقد ولع بعض النساء في البيوت الراقية على الطراز الحديث بالرقص والمخاصرة والمقامرة ولا سيما في بيروت ، ولوعا لا تكاد تجد له مثيلا فيما بلغنا وعرفناه من أخبار الأقطار الغربية . فقد ترى المرأة البيروتية ولا سيما من المسيحيات ترقص من الهزيع الأول من الليل إلى الساعة الثالثة والرابعة صباحا . وترى السيدة المتقدمة في السن منهن تجلس إلى منضدة القمار تقضي الساعات الطويلة ، وقد يكون بناتها الفتيات واقفات ينتظرنها ليذهبن إلى النوم وهي مستغرقة . وكثير عدد النساء اللاتي فقدن صحتهن وشرفهن لشدة ولوعهن بالقمار والرقص ، وإذا رأيت أزياءهن ، حسبتهن أوربيات وزيادة ، أفرطن في التقليد ، وغرتهن الظواهر من مدنية الغرب فاجتزأن بها ، وكانت المرأة المسيحية في جنوبي لبنان في القرن الماضي تتحجب وتتجافى عن غشيان مجالس الرجال من غير محارمها . وفي أندية بيروت في الشتاء والفنادق الكبرى في الجبل مدة الصيف ، نموذج من الحياة البيروتية التي أصبحت مزيجا غريبا من الأخلاق والعادات ، يبدو فيها التكلف والتصنع ، ويفقد منها الروح العربي ، وليس المسلمون فيها على مستوى جيرانهم في النهوض الاجتماعي حتى ترسم لهم الآن صورة بعينهم . وقد أخذت بعض البيوت التي أخذت المدنية الحديثة لا تتكلم في بيوتها أو مجالسها واجتماعاتها إلا بالفرنسية وقليل منها بالإنكليزية ، أو يمزجون لغتهم الأصلية باللغة التي تعلموا بعضها في المدارس ، وأصبحت معظم عادات السكان إفرنجية مقتبسة منقولة لا أصلية أصيلة . وأنت إذا دخلت اليوم دار لبناني متعلم ممن كتب له السفر كثيرا ، ورأيت العادات القديمة محفوظة يأخذك العجب ، لأن اللبناني يحاول أن يقلد ، ولطالما عولج في هذه السبيل حتى تنزع منه عاداته وتقاليده ، ويلحق بالإفرنج في مناحيه ومنازعه . ومن أبشع ضروب التقليد أنه أخذ بعد أن تعلم بعضهم في المدارس تعليما ناقصا أبتر يستعمل في سلامه وحديثه بعض ألفاظ إفرنجية ، تساوى في ذلك البحري الجاهل والتاجر المتمول ، فصارت أحاديثهم مزيجا